الصالحي الشامي

10

سبل الهدى والرشاد

الباب الرابع في حكم أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله - صلى الله عليه وسلم - قال القاضي : وأما أقواله الدنيوية من إخباره عن أحوال غيره وما يفعله أو فعله الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال ، وعلى أي وجه ، من عمد أو سهو ، أو صحة أو مرض ، أو رضا أو غضب ، وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم . هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب ، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة ، كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره . وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته ، وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم ، كقوله : لأحملنك على ابن الناقة . وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها : أهو الذي بعينه بياض . وهذا كله صدق ، لأن كل جمل ابن ناقة ، وكل إنسان بعينه بياض وقد قال صلى الله عليه وسلم : إني لأمزح ولا أقول إلا حقا . هذا كله فيما بابه الخبر ، فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهي في الأمور الدنيوية فلا يصح منه أيضا ، ولا يجوز عليه أن يأمر أحدا بشئ أو ينهى أحدا عن شئ وهو يبطن خلافه . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ، فكيف أن تكون له خيانة قلب . فإن قلت : فما معنى إذا قوله تعالى في قصة زيد : ( وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ، ونخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه . . . ) فاعلم - أكرمك الله ، ولا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها . وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين - أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه ، فلما شكاها إليه زيد قال له : أمسك عليك زوجك ، واتق الله . وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وتطليق زيد لها .